تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٢٣ - تتمة
في أن الانقياد و التسليم لما أتى به الأنبياء و الأولياء صلوات اللّه عليهم و التعويل على الفؤاد أدنى إلى النجاة من الفطانة البتراء للعقول المحتجبة بالبصيرة الحولاء.
و لا يبعد أن يكون قوله: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ إشارة إلى ترك التعويل بسبب الاعتماد على فطانة العقل المشوبة بالهوى، المنبعثة عن غلبة القوّة الوهمية فيكون هذا- أي الوهم- أحد معاني الطاغوت، و يكون الاستمساك بالعروة الوثقى إشارة إلى هذا الانقياد و التسليم و المتابعة للأنبياء و الأولياء عليهم السلام، و التعويل عليهم في أمر الدين و خصوصا فيما أفادوا من قبل اللّه في أمر المعاد حيث لا سبيل للعقل بقوته الفكرية إلى شيء منه.
تتمّة
و قال بعض أرباب القلوب (العقول- ن): إن عروة الوثقى لكل طائفة من المؤمنين شيء آخر: للعوام التوفيق للطاعة، و للخواصّ مزيد العناية بالمحبة كما في قوله: يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ [٥/ ٥٤] و لخاصّ الخاصّ جذبات الالوهية التي تنفيه عن الظلمات الوجودية بنور الربوبية، كما شرح اللّه تعالى حقيقة الآية بتاليها، و المراد به أن السالك يبلغ عقيب الرياضات و الأربعينات إلى مقام من مقامات الفناء و البقاء، لا يمكنه الرجوع منه، فلا يجرى عليه أحكام تلوّنات الرد و القبول، و لا أقسام تغيّرات الفراق و الوصال، بل يكون مستهلكا عن الناسوتية، متمكّنا في اللاهوتيّة، فالعروة الوثقى التي لا انفصام لها على الحقيقة و التمام هي هذه الجذبة الإلهيّة التي أشير إليها
في الحديث النبوي صلى اللّه عليه و آله: «جذبة من جذبات الحقّ توازي عمل الثقلين»
إذ الثقلان و أعمالهما جسمانيّة فانية من عالم الحدوث، و جذبة الحق روحانية باقية في (من- ن) عالم القدم، فلا يجوز عليها الانفصام و الانقطاع و النفاد، فالمجذوب لا يتخلص منها أبد الآباد».